
❗️خاص صدى الولاية❗️
كتب: حسن علي طه
على خطى قوانين الإعلام في عدد من دول الخليج، أقرّ مجلس النواب قانون الإعلام الجديد، الذي يرى منتقدوه أنه يحمل في طياته قيوداً جدية على حرية العمل الإعلامي، ولا سيما الإعلام الإلكتروني.
والعادة أن القوانين الحساسة التي تمس الحريات تحتاج إلى نقاش واسع وشفاف قبل إقرارها، لكن القانون مرّ سريعاً بعدما أحالته لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، فيما سارعت جهات ودول إلى الترحيب به، وكأنها كانت حاضرة في لجنة الصياغة والتعديل.
في ظاهره، هو قانون لتنظيم الإعلام.
أما في حشاياه وخباياه وتفاصيله، فيطرح أسئلة كبيرة حول المرحلة التي يدخلها الإعلام اللبناني، وحول ما إذا كانت بعض مواده ستساهم عملياً في تطويق الأصوات المناهضة للعدو الإسرائيلي، وإحكام القبضة على مساحة إعلامية بقيت، رغم كل شيء، عصية على الاحتواء الكامل.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا القانون مرّ عبر لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، التي تضم ممثلين عن قوى سياسية ترفع راية حماية المقاومة وبيئتها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف مرّت المواد التي يمكن أن تمس حرية الإعلام الإلكتروني؟ أين كان المعترضون؟ وهل جرى فعلاً تقدير النتائج التي قد تترتب على أصحاب المواقع الصغيرة والمستقلة؟
في الوقت الذي يعاني فيه إعلام المقاومة من غياب واضح عن مساحات كثيرة من المواجهة الإعلامية، كانت المواقع الإلكترونية وصفحات الإعلام البديل تسد جزءاً كبيراً من هذا الفراغ، وتساهم في تشكيل رأي عام وخلق رافعة إعلامية بديلة.
وكل ذلك بمجهودات ذاتية يبذلها جنود مجهولون، لا يملكون مؤسسات ضخمة ولا ميزانيات مفتوحة.
ثم جاء قانون الإعلام ليضع هؤلاء أمام شروط والتزامات يُخشى أن يصبح الصمود أمامها متاحاً فقط لمن يمتلك التمويل الكبير، فيما يجد أصحاب المواقع الصغيرة أنفسهم أمام أعباء قد تفوق إمكاناتهم.
وهنا يجب الانتقال من الموقف السياسي إلى النص القانوني نفسه.
ما الذي فُرض تحديداً على المواقع الإلكترونية؟
ما كلفة الترخيص أو التسجيل؟
ما العقوبات؟
ما حدود المسؤولية القانونية؟
وهل يستطيع موقع إلكتروني صغير، قائم على جهود فردية وإمكانات محدودة، أن يستوفي الشروط نفسها التي تستطيع مؤسسة إعلامية ممولة بملايين الدولارات استيفاءها؟
هنا تكمن المسألة الأساسية.
حرية الإعلام لا تُقاس فقط بنص قانوني يقول إن الصحافي حر، بل تُقاس أيضاً بقدرته الفعلية على ممارسة هذه الحرية من دون وضعه أمام منظومة من الشروط والأعباء والعقوبات التي تجعل الاستمرار امتيازاً للقادر مالياً.
وإذا كان الهدف الحقيقي هو تنظيم القطاع الإعلامي، فإن التنظيم يجب أن يحمي الإعلام من الفوضى، من دون أن يحوّل الحرية إلى رخصة لا يملك ثمنها إلا أصحاب المال والنفوذ.
أما لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، فلا يكفي أن تقول إن القانون أفضل مما كان مطروحاً، أو إنها نجحت في تعديل هذه المادة أو تلك.
المطلوب منها أن تجيب بوضوح عن سؤال أساسي:
هل يستطيع صاحب موقع إلكتروني صغير، يعمل بإمكاناته الذاتية، أن يستمر بعد هذا القانون كما كان قبله؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلتشرح للرأي العام كيف.
وإذا كانت الإجابة لا، يصبح السؤال أكبر من مجرد تقصير تشريعي:
لمن يُترك الفضاء الإعلامي بعد إخراج الأصوات الصغيرة منه؟
ومن المستفيد عندما يصبح الإعلام حكراً على من يملك المال والقدرة على استيفاء الشروط؟
هذه الأسئلة يجب أن تجيب عنها لجنة الإعلام والاتصالات والنواب الذين رفعوا أيديهم موافقين على القانون، لأن القانون لا يُحاكم بالنوايا المعلنة، بل بنتائجه العملية.
والنتيجة التي ينبغي الحذر منها هي أن نستيقظ يوماً لنجد أن الأصوات التي كانت تقاتل بالكلمة قد اختفت واحدة تلو الأخرى.
لا لأنها هُزمت في معركة الرأي، بل لأنها لم تعد تملك ثمن البقاء في الميدان.